الظلال التي تراقبني
في تلك الليلة، كان الظلام كثيفًا كما لو أن السماء قد ابتلعت النجوم وقررت أن تغلق أبوابها على الأرض. لم يكن هناك أي ضوء سوى ضوء القمر الخافت الذي كان يتسلل عبر الغيوم الملبدة في السماء. الهواء كان باردًا، وكان يعبق برائحة غريبة، كأنما الجو نفسه كان محملاً بشيء غير مرئي، شيء يعكر صفو الليل ويجعله أكثر وحدة وكآبة.
كنت أسير في شارع ضيق قديم، مبلط بحجارة باهتة تلمع تحت ضوء القمر كما لو كانت عينين ميتتين تحدقان بي من الأسفل. كان المكان خاليًا تمامًا من البشر، والسكوت العميق كان يلف المكان كله. لم يكن هناك شيء سوى صدى خطواتي التي كانت تتردد في الفضاء الفارغ. كلما تقدمت خطوة إلى الأمام، كانت خطوة أخرى تأتي من خلفي، وكأنني لست وحيدًا في هذا المكان المظلم.
بالرغم من ذلك، كنت أشعر بشيء غريب. كان هناك شعور غير مريح، كما لو أن هناك شيئًا يراقبني من الظلال المحيطة بي. حاولت أن أتجاهل تلك الأحاسيس، لكن الظلال بدأت تتحرك من زاوية إلى زاوية، وكأنها تتنقل بين الجدران المظلمة، وكلما التفتُّ خلفي، لم أجد أحدًا. ولكن، كان هناك شيء ما يحثني على أن أستمر في السير. شيء يخبرني أنني لا أستطيع العودة.
الهواء أصبح أكثر كثافة، وأصبحت تنفساتي تتسارع. كانت الأنفاس تتعثر في حلقي، وكأنها تنغلق داخلي. فجأة، بدأ الشارع يضيق، كأنني كنت أسير في نفقٍ مظلم، وتلك الأصوات الخافتة التي كنت أسمعها من بعيد بدأت تقترب. همسات لا أستطيع تفسيرها، كلمات غير مفهومة تتداخل مع بعضها، وكأنها تتحدث بلغة لا أعرفها.
ثم، وعلى حين غرة، ظهر أمامي باب خشبي قديم، مفتوح جزئيًا. كان الباب يبدو وكأنه في انتظار شيء ما، أو ربما كان في انتظارني أنا. في تلك اللحظة، لم أستطع مقاومة الرغبة في الدخول. كانت هناك قوة خفية تجذبني نحو ذلك الباب. دخلت، وكان الداخل أكثر ظلمة من الخارج. لكن مع كل خطوة، استطعت أن أرى ضوءًا خافتًا ينبعث من زاوية بعيدة، كأنما شمعة ضعيفة تحاول أن تصارع الظلام.
حين اقتربت من الشمعة، فجأة، سمعت صوتًا خلفي. التفت بسرعة، ولكن لم يكن هناك أحد. شعرت بشيء ثقيل يلمس كتفي، فزعت وأدرت رأسي بسرعة، ولكن لم أجد شيئًا سوى الهواء البارد الذي كان يلفني. نظرت حولي، وكانت الجدران المظلمة تتقارب أكثر فأكثر، كما لو أن الغرفة نفسها كانت تضيق حولي.
بدأت الهمسات تزداد وضوحًا، وأصبح الصوت أقرب. شعرت بأنني لست وحدي في المكان، وأن هناك كائنات غير مرئية تراقبني في كل زاوية. وفي تلك اللحظة، أضاءت الشمعة فجأة بلون أزرق بارد، وأمامها كان يطفو وجه شاحب، ملامحه مشوهة وكأن الزمن قد أكل منها. لم يكن له عيون، كان وجهًا بلا ملامح، سوى فم مفتوح على صراخ غير مسموع.
حاولت أن أهرب، لكن الجدران كانت تقترب أكثر وأكثر، وكان الوجه الشاحب يقترب أيضًا. شعرت بأنني محاصر، وكلما تحركت خطوة، كانت الأرض تحت قدمي تتحرك أيضًا، وكأن المكان كله يتنفس معي. في تلك اللحظة، رأيت أن الرموز المنحوتة على الجدران بدأت تتحرك، تتداخل وتتشكل إلى كلمات بلغة غريبة، كانت تلك الكلمات تتنقل بسرعة، وكأنها تنبئ بشيء رهيب سيحدث.
فجأة، بدأت الأرض تحت قدمي تهتز، وظهرت شقوق في الأرض ينبعث منها دخان كثيف ورائحة عفن. من داخل الشقوق، بدأت تظهر أيدٍ سوداء طويلة، رقيقة، بأصابع نحيلة، وكأنها أيدي كائنات مدفونة منذ قرون. كانت الأيدِ تتسلق الجدران، وكأنها على وشك أن تصل إليّ. كانت تتحرك بسرعة غريبة، وكأنها تعرف كل خطوة سأخطوها قبل أن أخطوها.
لقد كنت محاصرًا في هذا الكابوس، الغرفة كانت تدور حولي، والوجه الشاحب يقترب ضاحكًا، وكلما حاولت الهروب، كانت الأيدي السوداء تقترب أكثر وأكثر. كان صوت ضحكها يتناثر في المكان، وكأنها تملأ الجو بحالة من الجنون.
وفي اللحظة التي شعرت فيها بأنني لن أستطيع التنفس بعد الآن، وجدت نفسي فجأة في مكان آخر تمامًا. كان الظلام قد ابتلعني من جديد، واستيقظت على صوت أنفاسي المتسارعة، وقلبي ينبض بعنف في صدري. كانت تلك اللحظة الوحيدة التي شعرت فيها بأنني قد نجوت، لكنني لم أكن متأكدًا إن كان هذا هو الواقع أم أنني ما زلت عالقًا في الحلم.
رايك يهمنا...









